مجمع البحوث الاسلامية
196
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عسى أن يكون هناك خمسون بارّا في المدينة ، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارّا الّذين فيه ؟ فقال الرّبّ : إن وجدت في سدوم خمسين بارّا فإنّي أصفح عن المكان كلّه من أجلهم ، ثمّ كلّمه إبراهيم مثل هذا في خمسة وأربعين ، ثمّ في أربعين ثمّ في ثلاثين ثمّ في عشرين ثمّ في عشرة ، والرّبّ يعده في كلّ من هذه الأعداد بأنّه من أجلهم لا يهلك القوم . وذهب الرّبّ عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم إلى مكانه » . ( 12 : 61 ) مغنيّة : قال جمهور المفسّرين ومنهم الرّازيّ وصاحب « المنار » : لم يجادل إبراهيم من أجل قوم لوط ، وإنّما جادل من أجل لوط ، وأنّه خاف أن يصيبه ما يصيب قومه من العذاب ، واستدلّ المفسّرون على ذلك بالآية : ( 32 ) من سورة العنكبوت : قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ والصّحيح أنّ هذه الآية لا تمتّ إلى مجادلة إبراهيم بصلة ، وإنّما هي مجرّد إخبار منه بأنّ فيها لوطا ، ولذا قالوا له : نحن أعلم بمن فيها . والآية الّتي نفسّرها نصّ في المجادلة من أجل قوم لوط ، لامن أجل لوط ، بالإضافة إلى قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ هود : 76 ، فالضّمير في ( انّهم ) و ( اتيهم ) يعودان إلى قوم لوط الّذين جادل إبراهيم فيهم ومن أجلهم . ولكنّ المفسّرين قالوا : إنّ المجادلة في قوم لوط جرأة على اللّه وإبراهيم عليه السّلام معصوم عن الذّنب ، فلا بدّ أن تكون المجادلة في لوط ، لا في قومه . ويلاحظ أوّلا : لا فرق بين المجادلة في لوط ، وفي قومه ، فإن كانت هذه جرأة فكذلك تلك . ثانيا : إنّ المجادلة مع اللّه في دفع العذاب عن عباده أو تأخيره ليست من الذّنب والمعصية في شيء ، بل العكس هو الصّحيح ، لأنّ هذه المجادلة لا مخالفة فيها ولا نزاع ، وإنّما هي من باب طلب الرّحمة من القويّ للضّعيف ، وهذا الطّلب يدلّ على الحلم والرّأفة ، ولذا أثنى اللّه على إبراهيم بأجمل الثّناء ، ووصفه بأنّه ( حليم اوّاه منيب ) بعد أن سأله الرّفق بقوم لوط . ثالثا : إنّ إبراهيم جادل في قوم لوط ليكون على يقين من أنّهم بلغوا من التّمرّد الحدّ الّذي لا يرجى معه صلاحهم وهدايتهم ، تماما كقوله : بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي البقرة : 260 ، ويؤكّد إرادة هذا المعنى قوله سبحانه : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ هود : 76 ، أي لا تسألني يا إبراهيم في قوم لوط ، فإنّهم مهلكون لا محالة ، لإصرارهم على الشّرك والفساد ، وأيأس منهم ومن توبتهم . ( 4 : 250 ) عبد الكريم الخطيب : التّقدير : فلمّا ذهب عن إبراهيم الرّوع ، أي الخوف ، وجاءته البشرى ها هو ذا يجادلنا في قوم لوط ! وفي هذا إنكار على إبراهيم أن يقف في هذا الموقف ، فيجادل عن قوم قد بلغوا من السّوء ما أنكرته الأرض عليهم . ثمّ لا يكاد إبراهيم يأخذ في المجادلة حتّى يجيئه أمر اللّه يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا هود : 76 . ولو جاء جواب ( لمّا ) فعلا ماضيا هكذا « جادلنا »